تحديات العمل البيئي في العراق: تجربة مشروع حماة دجلة

تحديات العمل البيئي في العراق: تجربة مشروع حماة دجلة

في سياق التحديات البيئية المتصاعدة التي يشهدها العراق، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، تبرز المبادرات المدنية بوصفها أدوات فاعلة في تشخيص المشكلات البيئية واقتراح الحلول الواقعية لها. ويأتي هذا المشروع الذي نفذته شبكة “حماة دجلة” ليعكس نموذجًا متقدمًا في العمل البيئي القائم على البحث، والمناصرة، وبناء الشراكات مع الجهات الحكومية والمجتمعية. فقد سعى المشروع إلى معالجة قضية تلوث المياه من خلال إعداد ورقة سياسات مبنية على بيانات ميدانية، وحوارات متعددة الأطراف، فضلاً عن أنشطة تدريبية وتوعوية استهدفت فئات مختلفة من المجتمع.

منذ انطلاق المشروع، تم التركيز على بناء أساس معرفي رصين، حيث جرى إشراك 15 باحثًا وناشطًا وموظفًا حكوميًا في عملية جمع البيانات عبر الاستبيانات والمقابلات. وقد أسهم هذا التنوع في الخلفيات المهنية للمشاركين في إثراء المحتوى وتحقيق مقاربة شمولية للمشكلة. وأفضت هذه الجهود إلى إعداد المسودة الأولى من ورقة السياسات مطلع شهر آذار، والتي شكلت نقطة انطلاق للحوار مع أصحاب القرار والجهات المعنية.

تميزت المرحلة الثانية من المشروع بانفتاح واضح على المؤسسات الحكومية، إذ تم تنظيم ستة لقاءات مع مديريات البيئة والماء في المدن المستهدفة. وقد أتاحت هذه اللقاءات فرصة لتبادل وجهات النظر ومناقشة مضامين الورقة بشكل مباشر. ورغم أن الملاحظات الرسمية على المسودة كانت محدودة، إلا أن التفاعل الإيجابي من قبل بعض المسؤولين عكس رغبة حقيقية في تعزيز التعاون المستقبلي مع منظمات المجتمع المدني. ويعد هذا التفاعل أحد أبرز الدروس المستفادة من المشروع، حيث أكد أهمية التنسيق المسبق وبناء الثقة مع الجهات الحكومية.

في موازاة ذلك، أطلق المشروع حملة توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استهدفت نشر الوعي البيئي وتعريف الجمهور بمخاطر تلوث المياه. ورغم التحديات المرتبطة بضعف الاهتمام المجتمعي بالقضايا البيئية، تمكنت الحملة من الوصول إلى نحو 2000 مستخدم مهتم، من خلال محتوى مكتوب ومرئي تم إعداده بالتعاون مع مختصين. وتشير هذه النتائج إلى وجود فجوة واضحة في الوعي البيئي، لكنها في الوقت ذاته تؤكد إمكانية بناء جمهور مهتم عبر الاستمرارية وتطوير الخطاب الإعلامي.

وفي إطار بناء القدرات، تم تنفيذ تدريب متخصص في الرصد والمناصرة البيئية بتاريخ 9 آذار، بمشاركة 28 ناشطًا وناشطة من المدن المستهدفة. وقد تناول التدريب مفاهيم الرصد البيئي، وأدواته، وأهميته في حماية الموارد الطبيعية، إلى جانب التطرق إلى مهارات المناصرة بوصفها امتدادًا لعملية الرصد. وأسفر التدريب عن مخرجات مهمة، من بينها توسيع قاعدة المستخدمين لتطبيق “أور” للرصد البيئي، وتعزيز شبكة المتطوعين، فضلاً عن بناء جسور التواصل بين الناشطين في مختلف المناطق.

أما المرحلة الأهم في المشروع، فقد تمثلت في عقد جلسات أصحاب القرار بتاريخ 24 نيسان، والتي شكلت منصة حوارية جمعت بين الباحثين، والناشطين، وصناع القرار. وقد تميزت هذه الجلسات بنقاشات جادة ركزت على الحلول والتوصيات، بدلًا من الاكتفاء بتشخيص المشكلة. ومن أبرز النقاط التي تم التوافق عليها: ضرورة توسيع حملات التوعية المجتمعية، والعمل على تغيير السلوكيات البيئية السلبية، وتعزيز التعاون مع وسائل الإعلام، إضافة إلى فتح قنوات تواصل مستدامة بين المجتمع المدني والجهات الحكومية.

وعلى مستوى التقييم، أظهرت النتائج ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى الوعي لدى المشاركين حول خطورة تلوث الأنهار، كما تم التأكيد على الدور المحوري للمجتمع في الحد من التلوث، خاصة فيما يتعلق بإدارة النفايات المنزلية. كذلك، برزت أهمية دور المجتمع المدني في دعم الجهود الحكومية، والمساهمة في رسم سياسات بيئية أكثر استدامة.

في الختام، يمثل هذا المشروع خطوة مهمة نحو ترسيخ مفهوم الحوكمة البيئية في العراق، حيث يبرز دور المجتمع المدني كشريك أساسي في حماية الموارد الطبيعية. كما يؤكد على أن الاستدامة لا تتحقق إلا من خلال تكامل الجهود بين الأفراد والمؤسسات، وبناء وعي مجتمعي ضاغط يدفع باتجاه تبني سياسات صديقة للبيئة.

مقالات أخرى