الحصول على المياه في بلاد النهرين بين الاحقية والامنيات

الحصول على المياه في بلاد النهرين بين الاحقية والامنيات

مهدي زغير جابر الساعدي \ كتب لصالح جمعية حماة دجلة ( حملة الماي حقنا)
النصف الاول من عام 2026
التحديات والمشاكل

شهد النصف الاول من عام 2026 في العراق نقلات نوعية في مستوى وحجم المياه الواردة الى انهار وأهوار البلاد، خصوصا في اشهره الاخيرة والفضل يعود الى موسم السيول والامطار الذي رفد مساحات واسعة بالمياه، وعلى الرغم من الموسم الفيضي الكبير الذي فقدته مناطق البلاد في السنوات الاخيرة، الا انه لا يعد مؤشرا بارزا على (تعاف مستدام) من المياه يمكن المواطن العراقي بالتمتع بحقه في الحصول عليها وفق ما اقرته القوانين والاعراف الدولية خصوصا سكان ذنائب الانهر واحواض الاهوار، في وسط وجنوب العراق بقدر ما هو تحسن مؤقت قبل مجيء اشهر الصيف اللاهبة التي ترفع نسب التبخر ما يعرض المساحات المغمورة بشكل سطحي للجفاف والعودة الى الظروف ذاتها التي شهدتها الاشهر الاولى من العام ذاته. 

كانت معاناة بداية العام مكملة لما سبقها من اشهر العام الماضي 2025 والتي بدأت مع انطلاق العام الدراسي منذ شهر سبتمبر / ايلول وتوجه تلاميذ وطلبة مدارس ابناء المحافظات الوسطى والجنوبية خصوصا في اقضيتها ونواحيها التي تقع عند ذنائب الانهر ومنها ناحية المشرح شرق محافظة ميسان بدون ماء للاستخدامات الشخصية وتعطلت نتيجة ذلك المرافق الصحية فيها علاوة على انعدام وجود المياه الصالحة للشرب وبين تقرير نشرته صحيفة المدى تأثير تلك المعاناة على الطلبة والتلاميذ والكوادر التربوية على حد سواء  https://2u.pw/qIkKWY.

فيما اكد الناشط الإنساني سجاد محمد شكر من محافظة ميسان «عدم حصول التلاميذ والطلبة في نسبة 90% من المدارس في عموم الأقضية والنواحي في محافظة ميسان، بما فيها مدارس مراكز المدن على مياه صحية صالحة للشرب ولا يستطيعون أيضًا استخدام المرافق الصحية، والوضع بائس جدًا، والتلاميذ والطلبة يعانون إلى حد كبير، والموضوع يشمل أيضًا صحة الكوادر التعليمية والتدريسية». 

وفي تصريحات اعلامية تعود الى عام 2023 أكد مدير برنامج الماء والإصحاح البيئي في منظمة اليونيسف في العراق، علي الخطيب، أن 50% من المدارس في العراق لا يتوفر فيها مياه صالحة للشرب. 

ولا يتلاءم ذلك مع الفقرة (2) من المادة (24) من اتفاقية حقوق الطفل للعام 1989 والتي انضم لها العراق وصدّق عليها رسمياً في عام 1994 بموجب القانون رقم (3) لسنة 1994 والزمت الدول الأطراف (بمكافحة الأمراض وسوء التغذية عن طريق توفير الأغذية الكافية ومياه الشرب النقية). 

ولعل ما فقده التلاميذ والطلبة في مدارسهم  لم يجدوه في منازلهم حتى، بسبب خروج محطات ضخ المياه الى المنازل (الاسالات) عن العمل نتيجة جفاف الانهر، ما عرض حياة عشرات الآلاف من مختلف الفئات العمرية من السكان الى الخطر، وبينت تقارير صحفية نشرتها صحف وجرائد محلية مدى ما يعانيه ويقاسيه ابناء المحافظات الجنوبية خلال شهر يناير من عام 2026  https://2u.pw/6vpgwx 

من جانبه بين رئيس لجنة الزراعة والمياه النيابية السابق فرات التميمي خلال تصريحات اعلامية في شهر كانون الثاني من عام 2026 إن “القراءات التي تنشرها وزارة الموارد المائية بشأن كميات المياه المخزونة في السدود، ولا سيما في قواطع شمال وغرب وشرق البلاد، تؤكد أن المخزون الحالي منخفض جدًا، وأن العراق ما يزال في قلب أزمة جفاف تعد الاخطر منذ قرون”. 

ووفق تلك الحقائق التي تعطي انطباعا حقيقيا عن معاناة المواطن العراقي وحقه في الحصول على المياه النظيفة يبين الكاتب د. علاء الحسيني في مقال عن حق المواطن العراقي في المياه نشر في شهر سبتمبر / ايلول من عام 2025 جاء فيه المياه عامل أساسي للعيش ليس للإبقاء على قيد الحياة فحسب بل هو ضروري من أجل ممارسة الحقوق الاقتصادية كالحق في العمل والحقوق الاجتماعية كتأسيس الأسرة والحقوق الثقافية، كالحق في ممارسة الطقوس الدينية والحقوق البيئية والرياضية وغيرها من الممارسات اليومية، فمن يعمل في الزراعة أو تربية المواشي يكون بالنسبة إليه الماء ضروري للاستعمالات الشخصية والزراعية وكذا من يعمل في حقل الصناعة، ولا يكون ما تقدم بمجرد توفير المياه ليوم أو شهر أو سنة بل ينبغي ان تتوافر بشكل مستدام ليتحقق الأمن الشخصي للعاملين في الميادين المتقدمة بعبارة أخرى لا يكفي ان يكون الحق في الوصول إلى الماء”. 

وبالمقارنة مع الوضع الحقيقي نجد هناك فرقا شاسعا بين كتابة الحقوق والواقع المعاش خصوصا مع توجه ابناء المحافظات الوسطى والجنوبية في البلاد نحو شراء المياه النظيفة من اصحاب محال تصفية وتنقية المياه او قيامهم بشراء اجهزة خاصة لهذا الغرض بعد يأسهم من الدوائر الحكومية المختصة بتوفير مياه نظيفة آمنة الاستخدام تصل الى منازلهم وفي هذا الصدد يؤكد استاذ القانون في جامعة ميسان علي محسن “ان الحق في الحصول على المياه النظيفة والآمنة من الحقوق الأساسية المرتبطة مباشرة بالحق في الحياة والصحة والعيش الكريم. وقد أكدت الأمم المتحدة في قرار الجمعية العامة رقم (64/292) لسنة 2010 أن الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي حق من حقوق الإنسان، وألزمت الدول باتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان هذا الحق لجميع المواطنين دون تمييز”. 

واكد محسن خلال تصريحاته “اما المستوى الدستوري، فإن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 كفل حماية كرامة الإنسان وحقه في الحياة والصحة والبيئة السليمة، وهي حقوق لا يمكن تحقيقها دون توفير المياه الكافية والنظيفة. كما أن الدولة مسؤولة عن إدارة الموارد المائية وتوزيعها بصورة عادلة بين المحافظات والأقضية والنواحي، بما يضمن عدم حرمان أي منطقة من استحقاقها المائي”. 

واستدرك قائلا “لكن الواقع يشير إلى وجود فجوة واضحة بين ما تقره جميع القوانين والمعايير الدولية وبين ما يواجهه المواطن العراقي في العديد من المناطق، خصوصاً في الأرياف والأهوار والمناطق البعيدة عن مراكز المدن. فالجفاف، وضعف البنى التحتية، وسوء إدارة الموارد، والتجاوزات على الأنهر والجداول، والتغيرات المناخية، كلها عوامل أسهمت في حرمان آلاف المواطنين من الحصول على المياه بالكميات والنوعية التي تضمنها المعايير الدولية”. 

وبينت التصريحات الرسمية وجود خللا كبيرا في ادارة ملف المياه في البلاد منها تصريحات معاون مدير عام الهيئة العامة لتشغيل مشاريع الري والبزل في البلاد غزوان السهلاني للصحيفة الرسمية مطلع شهر كانون الثاني / يناير من العام الجاري ان “الخزين المائي في ادنى مستوياته منذ 70 عاما ويقدر ب3 مليارات م³ فقط وهو الادنى منذ سبعة عقود مقارنة بما كان عليه منتصف عام 2019 حين بلغ اكثر من 55 مليار م³ في حين ان الخزين الآمن المطلوب لتجاوز الصيف يقدر ب18 مليار م³ على الاقل وان الخزين التشغيلي الكامل في البلاد قد يصل الى 80 مليار م³ ولكن الفجوة الحالية تؤكد استمرار الازمة خصوصا بعد تعرض العراق لخمسة مواسم متتالية من الجفاف وانخفاض واردات نهري دجلة والفرات بمقدار الثلثين خلال ال25 سنة الماضية”. 

مهتمون ومراقبون للشأن البيئي شخصوا وجود هذا الخلل وبالتالي عدم تمتع المواطن العراقي بحقه في المياه وعزوا ذلك الى تمرد دول المنبع على القوانين الدولية وفي هذا الشأن يقول رعد حبيب الاسدي رئيس منظمة الجبايش  للسياحة البيئية في ذي قار  “الماء سر من اسرار الحياة وحق مشروع لكل انسان في الحصول على مياه نظيفة صالحة للشرب سواء في العراق او في اي مكان آخر في العالم كونه حق من حقوقه الاساسية وواجبات كل دولة والركيزة الاساسية لها وهذا ما اقرته الاديان السماوية بما فيها الدين الاسلامي وضمنت القوانين الدولية والمحلية الحق لكل مواطن عراقي يعيش على ارض الوطن  الحصول على مياه نظيفة وآمنة وصالحة للشرب ولكن وللاسف الشديد في الفترة الاخيرة تمردت بعض الدول على القوانين الدولية وبعضها الآخر ضربت تلك القوانين بعرض الحائط لذلك اصبح التمرد على القانون الدولي سهل في الوقت الحاضر لأن عدم التزام عدد كبير من الدول بالقوانين الدولية اعطى شرعية لتلك الدول عدم التزام بالقوانين ولكن للاسف سيطرت تركيا وايران على منابع المياه والتحكم بمصادر المياه دون المبالاة بالقوانين الدولية او القوانين المحلية ساهم بتفاقم مشكلة كانت في السابق بسيطة ولكنها اصبحت مستغصية وكبيرة جدا وبحاحجة الى حلول حقيقية وجذرية وهنا يأتي دور القانون الدولي لمحاسبة الدول التي سببت ذلك الضرر ولكن للاسف الشديد في الوقت الحالي دور القانون الدولي معطل وسيطرت بعض الدول على تطبيقه ما جعله مجرد قوانين مكتوبة لا مفعلة”. 

وبعيدا عن مستوى المياه الواردة الى انهار واهوار البلاد التي لم تكن بمنأى عن الملوثات تناقلت مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة مقطعا فيديويا لتدفق كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي الى نهر دجلة وسط العاصمة بغداد ولاقى المقطع الذي نشره احد المواطنين يوم 13 من شهر يوليو / حزيران انتقادات واسعة من قبل ناشطين ومواطنين  https://2u.pw/0qmpol 

وهذا ما نوه عنه المرصد العراقي لحقوق الإنسان في 22 مارس / اذار من عام 2023 خلال تصريحات اعلامية بين خلالها إن “المياه في العراق ملوثة بشكل كبير والنفط ومياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية ترمى جميعها في الأنهر”. ويأتي ذلك تزامنا مع ارتفاع معدلات الاصابة بالأمراض التي يكون التلوث سببا في تكونها منها الفشل الكلوي ما جعل الكثيرون يشيرون الى تحول المياه في البلاد الى احد مسببات الامراض.
واشار نائب رئيس هيئة خدمات بغداد في مجلس المحافظة علي خليل العامري خلال تصريحات اعلامية  إن “نسبة تلوث مياه نهر دجلة تتراوح بين 80 و90 بالمئة، ما جعلها غير صالحة للاستخدام البشري أو لري المزروعات وسقي الحيوانات، وان نحو عشرة ملايين مواطن في العاصمة يعتمدون على النهر في مختلف الاستخدامات”. 

وتزداد نسب الملوثات مع وصول مياه النهر نحو المحافظات التي تلي العاصمة بغداد والى الجنوب منها وهي محافظات واسط وميسان والبصرة ما ينفي حق المواطن العراقي في الحصول على المياه كون احد شروط الحصول عليها ان تكون آمنة ونظيفة. 

وفي هذا السياق يؤكد استاذ القانون في جامعة ميسان علي محسن “وفق المعايير الدولية، لا يقتصر الحق بالمياه على مجرد وصول الماء إلى المنطقة، بل يشمل أن تكون المياه متاحة بشكل مستمر، وآمنة صحياً، وكافية للاستخدامات اليومية، ويمكن الوصول إليها دون أعباء أو تمييز. لذلك فإن أي منطقة تعاني من انقطاع المياه أو شحتها أو تلوثها لفترات طويلة تعد منطقة لم تحصل على استحقاقها الكامل وفق هذه المعايير”. 

مبينا “ومن الناحية الإنسانية، فإن حرمان المواطنين من المياه لا يعني فقط العطش، بل يمتد أثره إلى الصحة العامة والزراعة والثروة الحيوانية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. لذلك فإن ضمان العدالة المائية يجب أن يكون أولوية وطنية، وأن تخضع عملية توزيع المياه لمعايير الحاجة السكانية والبيئية بعيداً عن أي اعتبارات أخرى”. 

موضوع تلوث المياه لم يكن محصورا بنهر دجلة فقط بل لنهر الفرات قصة اشد وطأة وفق ما اكده مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الانسان في البصرة مهدي التميمي الذي علل اولا ازمة المياه كونها (عالمية) منوها ان “موضوع ملف المياه مع الرغم من كونها ازمة عالمية والجفاف الذي يضرب مناطق شاسعة من العالم وصل الى بعض مناطق اوروبا وبعض مناطق امريكا واليوم في منطقة الشرق الاوسط ومنها العراق الذي يعتبر اكبر البلدان المتضررة من آثار التغير المناخي الذي بدأ واضحا في السنوات الاخيرة وخصوصا جنوب العراق
المشكلة كبيرة خصوصا بوجود جفاف يضرب دول الجوار وحتى تركيا التي تعد المنبع الرئيسي للمياه في العراق وبنسبة اكثر من 80% مع اجراءاتها التي كانت مخالفة للقانون او للاتفاقيات الخاصة بالمناطق بالدول المتشاطئة وقيامها ببناء سدود عملاقة حصرت فيها مياه نهري دجلة والفرات عن العراق والعام الماضي والعام الذي قبله كانت فيهما نسبة الامطار ليست بالمستوى المطلوب وبالتالي كان العراق اكبر المتضررين وهذا من ناحية دجلة”. 

وشدد التميمي “اما نهر الفرات فوضعه اسوأ بكثير لان مروره بسوريا وقيامها بأنشاء سدود فتكون نسبة ما يصل من نهر الفرات لا نستطيع القول انه يصل بنسبة مقبولة بل هي تحتها بكثير بل ربما منعدمة او تعدم في المناطق الجنوبية وخصوصا ذي قار وبالتالي هي الحافة الشمالية للجنوب”. 

واختتم التميمي تصريحاته بالقول ان “حق المواطن وحق الفرد في الحصول على حصة كاملة من المياه النظيفة والصالحة وغير الملوثة يعد امرا امامه الكثير من التحديات والمشاكل”. 

شبح الجفاف هاجس مخيف يراود ابناء المحافظات الجنوبية، وخشيتهم تزداد يوما بعد آخر تحت ظل وطأة صيف ثقيل ترتفع فيه معدلات درجات الحرارة ما يرفع مستويات التبخر، وبالتالي نقصان المساحات المائية التي جادت بها السماء بعد ان عجزت الجهات ذات العلاقة توفيرها لهم، ويبقى حق المواطن العراقي في حصوله على المياه الآمنة والنظيفة، بما يحفظ حقه كمواطن واحترامه كانسان احدى الغايات التي يتطلع لها على الرغم من كونه يعيش في بلاد النهرين العظيمين.

كتب لصالح جمعية حماة دجلة ( حملة مناصرة بحث حق الحصول على المياه) بدعم من الشبكة العربية لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية للتنمية.

مقالات أخرى