هجرة ابناء الريف نحو المدينة ظاهرة تستفحل يوما بعد آخر والحلول معدومة

هجرة ابناء الريف نحو المدينة ظاهرة تستفحل يوما بعد آخر والحلول معدومة

العراق | تموز ٢٠٢٦
الصحفي \ مهدي زغير جابر الساعدي
كتب المقال لصالح جمعية حماة دجلة ( حملة الماي حقنا)

يعيش كامل مع عائلته المكونة من 12 فردا ظروفا صعبة، في منزل اشتراه من احد اقاربه، ويبدو انه وصل قبله الى حيث سكنه الحالي، في حي عشوائي يطلق عليه ابناء المدينة (حواسم)، يقع في اطراف مدينة العمارة واغلب ساكني هذا الحي هم من الاقارب الذين تجمعهم قرابة النسب والعشيرة، وكلهم مم النازحين والمهاجرين من مناطق الاهوار والارياف، منازلهم مبنية من مخلفات منازل اخرى وبعضهم جلب مواشيه معه، ويطلقها في اكثر الاحيان للرعي في الشوارع والطرقات العامة في مشهد انتقده ابناء المدينة كثيرا. 

كامل كان انموذجا واحدا رافق احدى موجات الهجرة القادمة من الاهوار والارياف نحو المدن، في حلقة واحدة من سلسلة احدى اكبر الظواهر التي يعاني منها العراق، والمتمثلة بالهجرة الداخلية اي هجرة ابناء الارياف والاهوار نحو مراكز المدن. 

اهوار وارياف العراق 

تعتبر اهوار العراق بيئة مائية واسعة جدا تمتد على عشرات الالاف من الكيلو مترات المربعة، وتنتشر في العديد من المحافظات ولكنها تركزت في المحافظات الجنوبية الثلاث ميسان وذي قار والبصرة، وغالبا ما تكون متداخلة وتقع ضمن تلك المساحات المائية مئات القرى (ان لم تكن اكثر) التي يسكنها اناس توارثوا العديد من العادات والتقاليد الخاصة ببيئتهم، ويعتمدون بشكل اساسي على مصادر العيش في المياه، من صيد السمك والطيور المائية وتربية المواشي وبالخصوص (الجاموس)  وزراعة الشلب (محصول الرز)، واشتهروا بحرف يدوية خاصة بصناعة البيوت من القصب والطين وصناعة الزوارق وادوات الصيد وغيرها ومجملها خاصة بالبيئة المائية. اي ان الحياة في هذه المناطق عبارة عن منظومة حياتية متكاملة وبيئة مستقلة، ذات عادات وتقاليد واعراف، ويبين المغامر والمستكشف والناشط البيئي احمد الساعدي ان “مساحات الاهوار العراقية منذ ما يقارب نصف قرن مضى، وقت الاغمار المائي كانت تتراوح بين 15 الى 20 الف كيلو مترا مربعا، من اهمها هور الحويزة في ميسان وهور الحمار في ذي قار، وهناك الاهوار الوسطى التي تكون مشتركة بين عدة محافظات ويعتبر هور الحويزة اكبر اهوار ميسان، وكان يشغل مساحة مقدارها بين 3000 الى 3500 كيلو مترا مربعا ويعتبر هور مشترك مع ايران، وتقع في الاراضي العراقية الحصة الاكبر منه والتي تقدر 2500 كيلو متر مربعا، ولكن بعد عمليات التجفيف والجفاف الذي حصل بسبب قلة الاطلاقات المائية، وانحسار الامطار فقدت الاهوار نسبة الاغمار العامة ومساحاتها التي كانت تسيطر عليها”.
ونقلت تقارير صحفية ان النسبة الاكبر من سكان العراق في القرن الثامن عشر كانت تعيش في الارياف “كان عدد سكان العراق عام 1867 -بحسب بحث نشره معهد الإحصاء في جامعة أوكسفورد- لا يزيد كثيرا على المليون وربع المليون، بلغت نسبة البدو من بينهم 35 بالمئة، فيما مثّل الريفيون 41 بالمئة، أما سكان المدن فلم تزد نسبتهم على 24 بالمئة”.
لكن الجفاف غير ملامح تلك المنظومة الحياتية، ودمر كل مقومات العيش فيها ما دفع سكانها لتركها عنوة. 

تاريخ الهجرة 

يمتد تاريخ الهجرة من الريف الى المدينة الى وقت طويل جدا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وكان الموضوع يتعلق بسياسة الاقطاع والتعامل البشري ولم تكن حينها الهجرة قسرية بقدر كونها طوعية، مع وجود عوامل العيش في بيئة الارياف والاهوار، ويبين بحث بعنوان تاريخ العراق الاجتماعي للاستاذ الدكتور قحطان حميد كاظم استاذ التاريخ في كلية التربية الاساسية في جامعة ديالى ان “الهجرة بدات بعد عام 1932 خصوصا بعد ظهور الملكيات الكبيرة، وادارتها من قبل الاقطاعيين من شيوخ العشائر وغيرهم، بحيث اصبح الفلاح اجيرا في ارض لا ينتفع منها سوى الحصول على ما يسد رمقه ورمق عائلته”. 

فيما اشارت دراسات متفرقة إلى أن “ثلاثة أرباع القوى العاملة في عموم العراق، كانت تعمل في مجال الزراعة عام 1920، ثم انخفضت هذه النسبة إلى النصف في الخمسينات، ثم إلى الثلث في بداية تسعينات القرن المنصرم”،
وتأثرت مستويات واعداد المهاجرين مع الاحداث التي شهدتها البلاد، ومنها الحرب العراقية الايرانية وصولا الى عقد التسعينيات، وبداية تجفيف الاهوار تحت ذرائع سياسية وامنية، ويبين الاكاديمي والناشط البيئي سجاد محمد شكر انه “الهجرة من الريف ليست حديثة العهد بل هي اكبر مما نتصور، وازدادت خلال تسعينيات القرن الماضي اي مع بداية تجفيف الاهوار وبداية مضايقة الناس بمعيشتهم، وتوجيه تهم بقضايا سياسية ووجدت حينها الناس ابسط حل للابتعاد عن المشاكل في الهجرة نحو المدينة، والبحث عن فرص عمل وسبل عيش مختلفة”. ولم تكن الهجرة مناطقية بل حالة عامة عاشها جميع ابناء الاهوار في جميع المحافظات، التي تعتبر الاهوار قاسمها المشترك، وفي هذا الشأن يؤكد الكاتب علاء كولي “تعتبر محافظة ذي قار من المحافظات التي تعرضت الى هجرة داخلية، بسبب انحسار المياه والجفاف خصوصا في المناطق التي كانت تعيش حياتها على المياه، وحدثت نتيجة ذلك هجرتان واحدة داخل المحافظة واخرى خارجها وشهدت انتقال اناس من ابناء المحافظة الى محافظات اخرى توجد فيها المياه”.
من جانب متصل بين الباحثان رضا عبد الجبار وفاهم محمد جبر في بحثهما المعنون “نمو السكان في العراق والعوامل المؤثرة فيه للمدة (1977-2007)” المقدم لقسم الجغرافية التابع لكلية الآداب في جامعة القادسية، والذي يهدف الى دراسة واقع نمو السكان في العراق والعوامل المؤثرة فيه، للمدة (1977-2007) “تعد الهجرة ظاهرة اقتصادية واجتماعية ونفسية معقدة، تساهم وتشترك فيها متغيرات متعددة تحث المواطنين على ترك مدنهم واقاربهم وكسر علاقتهم وصلاتهم بأهلهم وذويهم، وتكمن المتغيرات المسببة للهجرة في قوى طاردة من الموطن الاصلي وقوى جاذبة، ومنها متغيرات اقتصادية واجتماعية”. 

اكبر موجات الهجرة 

يكاد يتفق الجميع على ان اكبر موجات الهجرة كانت مصاحبة لخبر جفاف آخر معقل مائي في مناطق الاهوار، بسبب قلة وانعدام وصول المياه او عوامل التغير المناخي، ما جعل الناس الذين كانوا يعتمدون على المياه بشكل كبير جدا وتغير الوضع من حصولهم على سر حياتهم مجانا وبشكل متاح الى شرائهم له لشرب مواشيهم، ويشدد الناشط البيئي مرتضى الجنوبي “بدأت الهجرة بشكل واسع منذ عام 2021، وشهدت السنوات الخمس الاخيرة اكثر واكبر موجات الهجرة من مناطق الاهوار والارياف نحو مراكز المدن، خصوصا بعد جفاف المياه وارتفاع اسعار الاعلاف ما اثقل كاهل الكثير، وبالنهاية باعوا مواشيهم واضطروا للهجرة والبحث عن مصادر رزق اخرى، حيث توجهوا بالغالب الى اطراف المدن او الى محافظات بغداد او البصرة او كربلاء، وفق احصائية سريعة اجريناها على عينة من المهاجرين”.
مؤكدا انه “ساهمت الهجرة باندثار مناطق وقرى كاملة، وكمثال بسيط احدى قرى اهوار ميسان كان تعدادها مائة بيت ولم يبق منهى سوى فرادى، وهاجر 90% من سكانها واجرينا احصائية بسيطة من عام 2021 الى عام 2023 على اربعة قرى فقط هاجرت منها 200 عائلة، وهجرتهم كانت الى خارج المحافظة وقسم الى اطراف المدن بسبب قلة امكانيتهم، وغالبا ما يواجهون مشاكل عديدة لانهم لا يتقنون سوى الصيد و تربية المواشي”.
ووصف تقرير صحفي نشرته صحيفة المدى، في عددها 5125 والصادر يوم 13 من شهر فبراير / شباط لعام 2022  محافظة ميسان احدى اكبر المحافظات العراقية طردا للسكان، وذكر التقرير ان “محافظة ميسان منذ ان تأسست ولا زالت تحمل صفة اكبر محافظة طاردة للسكان، وسابقا كانت الاسباب معيشية واقتصادية وراء هجرة السكان المستمرة من الاقطاع الى تجفيف الاهوار، من الاطراف الى مركز المحافظة و الى محافظات اخرى اهمها بغداد والبصرة وكربلاء”. 

اعداد وارقام   

نتائج هجرة موجات بشرية كبيرة من مناطق الاهوار نحو مراكز المدن بشكل غير مدروس، لم تكن ايجابية وولدت العديد من التحديات في مراكز المدن، التي تواجه تزايدا كبيرا في الاقبال نحوها ولكن عدم وجود احصائية حقيقية، للأعداد المهاجرة او توفر قاعدة بيانات دقيقة، ولد نوعا من عدم وضوح ودقة الارقام وبالتالي النتائج الدقيقة المترتبة من تلك الظاهرة، وفي هذا الصدد يشير نصير باقر رئيس جمعية حماة دجلة “نتائج عوامل التغير المناخي والجفاف، بالإضافة الى تراكم المشاكل من عام 1990 الى الان كانت واضحة في هجرة اغلب سكان الريف، وبالتالي خسرنا نمطا اجتماعيا يشكل جزءا مهما من الهوية العراقية، فالهجرة الى المدن تكاد تكون غير منظمة وغير مدروسة، ولكن لا نملك إحصائيات دقيقة عن الهجرات التي حدثت، سوى الاحصائيات الخاصة بمنظمة الهجرة الدولية، فالدولة لا تمتلك المعلومة او الخطة اللازمة لتخفيف الضغط عن المدن”. 

ويوافق باقر بالرأي الاكاديمي والناشط البيئي سجاد محمد شكر بقوله “لا توجد ارقام واحصائيات دقيقة عن الهجرة والمهاجرين، ولكن هناك قياسات عامة على مناطق الاهوار المقسمة الى ثلاث مناطق، وشكلت عملية النزوح منه فارقا كبيرا جدا خلال فترة العشر سنوات الاخيرة، حيث ان 60 الى 75 % من السكان هاجرت فعلا”. 

ويعلل أستاذا قسم الجغرافية في كلية التربية في جامعة المستنصرية، رعد مفيد وإبراهيم محسن في بحثهما المنشور في العدد الرابع لمجلة كلية التربية، بعنوان (تحليل جغرافي للهجرة الوافدة الى محافظة بغداد لسنة 2015) عدم وجود ارقام حقيقية للمهاجرين بسبب ابتعاد الدراسات العلمية عن متابعة تلك الظاهرة، وبين البحث “رغم خطورة هذه الحركة وما يترتب عليها من نتائج اقتصادية واجتماعية وديموغرافية، سواء كانت في مناطق الطرد أو مناطق الجذب السكاني، الا إنها ظلت بعيدة عن الدراسات العلمية القائمة على استخدام الاساليب الاحصائية لقياسها، وتحديد اتجاهاتها وتياراتها وما يترتب عليها من نتائج”.
منوها  “ولعل من اهم الاسباب الرئيسة لابتعاد الباحثين من التعرض لمثل هكذا بحوث هي قلة الإحصاءات العامة من جهة، وعدم دقتها من جهة أخرى أما ما توفره التعدادات من بيانات فيتطلب مزيداً من الجهد للخوض في مثل هكذا موضوع”. 

قلة البيانات وعدم دقة الاعداد المهاجرة لم تكن مانعا من تشخيص تزايد ابناء المدن بشكل كبير جدا، يقابلها انخفاضا حادا في اعداد ابناء الاهوار والارياف، وفقا لتقديرات وزارة التخطيط التي شخصت عام 2023 فقط وجود تزايدا في اعداد الاحياء والمناطق العشوائية (الحواسم)، في عموم البلاد وقاطنيها الذين وصلت اعدادهم الى 4 ملايين نسمة، توزعوا على 5 الاف حي ومنطقة عشوائية،  كانت حصة العاصمة بغداد منها نحو الف حي ومنطقة. 

نتائج حتمية 

غالبا ما تظهر نتائج اي عملية تجري بشكل عشوائي وغير ممنهج بشكل مباشر، ومنها الهجرة التي ولدت ضغوطا كبيرة جدا على مراكز المدن، وشخصها المعنيون والمتابعون بشكل دقيق، ويؤكد نصير باقر رئيس جمعية حماة دجلة “ادت ظاهرة الهجرة الى العديد من النتائج منها التضخم السكاني الكبير، في المدن الذي ادى الى ارتفاع اسعار الخدمات واسعار العقارات، والضغط على منظومات المياه والمجاري وارتفاع نسب التلوث، بسبب الكثافة السكانية ونحن في جمعية حماة دجلة نرى من ان المشاكل المستقبلية لهذه الظاهرة ستكون كبيرة جدا، وستكون معضلة للحكومات المقبلة اذا ما تم التعامل معها بطريقة تخفف من الضغط الحاصل على المدن”. 

فيما ذهب آخرون باتجاه تصادم عادات وتقاليد يشكل مجموعها (ثقافات بشرية)، لتؤثر بشكل او بآخر على سبل العيش، او تولد صراعات بين حاملي نمطين حياتيين مختلفين، ويشدد الاكاديمي والناشط البيئي سجاد محمد شكر على “تولد امراض مجتمعية او حالات سيكولوجية في قلب مجتمعات المدن، التي كانت هدفا لهجرة ابناء الارياف والاهوار واحدثت شرخا كبيرا في التعامل والسلوك في ثقافة تلك المدن، ومنها انطلقت كلمات ومسميات غير حضارية وغير انسانية لم تراعي مشاعر ابناء المدينة الاصلية والمهاجرين، ووصل تأثيراتها على سبل العيش بل اكثر لتشمل الاصعدة السياسية والاجتماعية والفكرية، ولكن العملية خلقت نتيجة سياسات غير صحيحة ما ادى الى انطلاق الصراعات الكبرى من قلب تلك المدن”.
التنافس على طرق كسب الرزق بواسطة بعض الاعمال والزخم والتأثير على الوضع المعيشي، كانت من مشخصات تلك النتائج بل وصل التأثير الى الجانب الامني والسلم، وهذا ما ابداه الكاتب علاء كولي “تسببت الاعداد الوافدة الى المدن عن طريق الهجرة بمنافسة ابناءها على بعض الاعمال والمهن والحرف، بسبب الزخم ما يؤثر على الوضع الاقتصادي والمعيشي والسلم والجانب الامني باعتبار التركيبة الاجتماعية، وطريقة وحياة ابن الريف واختلافها عن المدينة بالتالي يكون هناك تصادم ثقافي واجتماعي”. 

حلول منشودة 

وعلى الرغم من وصول الهجرة الى اعلى مستوياتها، الا ان المهتمين بالشأن الانساني لا زالوا يأملون بأيجاد حلول كفيلة وناجعة لأيقاف تلك الظاهرة، او الحد منها على اقل تقدير وتبقى تلك الحلول مرهونة بتوفر المياه، وفق ما يؤكد الكاتب علاء كولي “معالجة ظاهرة الهجرة او الحد منها موضوع يتعلق بوفرة المياه، فطالما تتوفر المياه ستعود حتما الى مناطق سكناها”. فيما حملت دعوات المهتمين بهذا الشأن الامل في وصولها الى آذان اصحاب القرار، ويشدد نصير باقر “ندعوا اصحاب القرار الى اعادة الاهتمام بالأرياف، بشكل عام والقطاع الزراعي وتنويع مصادر الاقتصادي والعراق بلد زراعي، كان يدعى بلد السواد بسبب خصوبة أراضيه لوفرة وجود المياه مع الارض الصالحة للزراعة، وبالإمكان ان تشكل مجتمعة نمط اقتصادي جيد يمكن المحافظة والاعتماد عليه، لتحقيق المسعى الذي نسعى اليه كشعب بعيدا عن الحكومات في تنويع عجلة الاقتصاد”.


ولحين عودة الجزء اليسير لحياة مناطق الاهوار، بما يمكن عودة ابناء تلك المناطق اليها وتتعافى رويدا، سيقضي كامل وافراد عائلته ال12 نفس الاطوار، ويمر بنفس الظروف التي مر بها من جاء قبله ليشد رحاله تابعا خطاه، ويبيع منزله لوافد جديد من مناطق الاهوار في عجلة تدور طالما لا توجد مساع حقيقية لأيقاف دورانها.

كتب لصالح جمعية حماة دجلة ( حملة مناصرة بحث حق الحصول على المياه) بدعم من الشبكة العربية لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية للتنمية.

مقالات أخرى