في إطار متابعتنا المستمرة للواقع البيئي في العراق، تؤكد جمعية حماة نهر دجلة أن المبادرات المجتمعية تمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز الوعي البيئي ودعم الجهود الوطنية لحماية الموارد الطبيعية. إن انخراط الأفراد والمجموعات في العمل البيئي يعكس وعيًا متقدمًا وإحساسًا حقيقيًا بالمسؤولية.
وفي الوقت ذاته، نود التأكيد على أن أي مبادرة بيئية، خصوصًا تلك التي تتعلق بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي، يجب أن تستند إلى أسس علمية واضحة، وأن تراعي التوازنات البيئية الدقيقة، وأن تلتزم بالأطر القانونية الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
لقد تابعت الجمعية مؤخرًا مبادرات تمثلت بإطلاق أعداد من البط المحلي الداجن وكائنات أخرى في مجرى النهر، تحت عناوين حماية الحياة البرية. ورغم تقديرنا للنوايا الإيجابية التي تقف خلف هذه الأنشطة، إلا أننا نرى أن مثل هذه الممارسات قد تنطوي على مخاطر بيئية حقيقية في حال تنفيذها دون دراسة علمية متخصصة.
إن إطلاق كائنات حية في بيئات لم تُسجل فيها بشكل طبيعي، أو دون تقييم دقيق لملاءمتها، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها عدم قدرة هذه الكائنات على التأقلم، ونفوقها، أو إحداث خلل في التوازن البيئي من خلال التنافس غير الطبيعي مع الأنواع المحلية أو التأثير على السلاسل الغذائية.
وتشير آراء علمية متخصصة إلى أن الأنظمة البيئية تمتلك توازنًا ذاتيًا دقيقًا، وأن أي تدخل غير مدروس—حتى وإن كان بدافع حسن النية—قد يؤدي إلى إضعاف هذا التوازن بدل دعمه. كما تؤكد هذه الآراء أن الجهود ينبغي أن تتركز على حماية الأنواع المحلية المهددة، والحد من الصيد الجائر والاتجار غير المشروع، أو إدارة بعض الأنواع ضمن بيئات مسيطر عليها عند الحاجة، بدل إطلاقها عشوائيًا في الطبيعة.
وفي هذا السياق، نأخذ بنظر الاعتبار بيان وزارة البيئة الذي عبّر عن دعم وتثمين بعض هذه المبادرات بوصفها نموذجًا للمواطنة المسؤولة وداعمًا للجهود الحكومية. وإذ نثمّن هذا التوجه في دعم العمل التطوعي، فإننا نؤكد أهمية أن يكون هذا الدعم مقرونًا بإرشادات علمية واضحة، وضوابط تنظيمية دقيقة، بما يضمن عدم تفسيره كتشجيع لممارسات قد تضر بالنظم البيئية.
إن ملف التنوع الأحيائي يُعد من الملفات التخصصية الحساسة، ويتطلب التعامل معه خبرة علمية دقيقة وتنسيقًا مؤسسيًا عالي المستوى، ولا ينبغي أن يكون عرضة لاجتهادات فردية غير مدروسة، مهما كانت دوافعها.
وعليه، تعلن جمعية حماة نهر دجلة أن إثارة هذا الموضوع تأتي انطلاقًا من مسؤوليتنا المهنية، وفي ضوء ما لوحظ من غياب الوضوح أو الاكتفاء بالمجاملات في التعامل مع هذه الظواهر، الأمر الذي يستدعي وقفة جادة ومراجعة منهجية.
وبناءً على ذلك، ندعو إلى:
- وضع أطر تنظيمية واضحة للمبادرات البيئية الميدانية
- إشراك المختصين والجهات العلمية قبل تنفيذ أي نشاط يتعلق بالحياة الفطرية
- تعزيز التوعية المجتمعية بالمفاهيم البيئية الصحيحة
- تفعيل أدوات الرقابة والمتابعة البيئية
كما نؤكد على ضرورة تطبيق قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، بوصفه الإطار القانوني الضامن لحماية النظم البيئية في العراق.
إن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، لكنها تتطلب توازنًا بين الحماسة المجتمعية والمعرفة العلمية، لضمان أن تكون المبادرات جزءًا من الحل، لا سببًا في تعقيد المشكلة.
جمعية حماة نهر دجلة




