بيان | ماذا تقول وزارة البيئة عن ملاحظات ديوان الرقابة المالية؟

بيان | ماذا تقول وزارة البيئة عن ملاحظات ديوان الرقابة المالية؟

جمعية حماة نهر دجلة
بغداد | ١٧ آب ٢٠٢٦

في الوقت الذي يتحدث فيه العراق يوميًا عن آثار تغير المناخ، واشتداد الجفاف، وتكرار العواصف الترابية، وتراجع الموارد المائية، وتدهور الأراضي والأهوار والنظم البيئية، تضع أمامنا مسودة تقرير لديوان الرقابة المالية الاتحادي مجموعة كبيرة من الملاحظات بشأن أداء وزارة البيئة في التعامل مع مخاطر تغير المناخ، وهي ملاحظات تستحق أن تُقرأ بعناية وأن تحصل على إجابات واضحة أمام الرأي العام.

المسودة، التي تغطي الفترة من عام 2022 ولغاية 30 أيار/مايو 2026، تشير إلى أن وزارة البيئة لم تقم بعدد من الإجراءات التي يفترض أن تشكل أساسًا للاستعداد الوطني لمخاطر تغير المناخ والكوارث المرتبطة به. ومن بين أبرز ما يثير الانتباه أن الديوان يشير إلى عدم وجود نظام وطني متكامل للرصد والإنذار المبكر للكوارث متعددة المخاطر والأحداث المناخية المتطرفة، رغم أهمية هذا النظام في حماية الأرواح والممتلكات وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية.

وهنا نسأل وزارة البيئة:

أين وصل العراق في بناء منظومة وطنية حقيقية للإنذار المبكر؟ وما الذي أُنجز فعليًا منذ عام 2022؟

وتشير المسودة كذلك إلى عدم وجود استراتيجية أو خطة وطنية معتمدة لمنظومة الإنذار المبكر تحدد الأدوار والمسؤوليات، وآليات تبادل المعلومات، وبروتوكولات الإنذار والاستجابة، والتدريب، والتمويل، ومشاركة المجتمعات المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

فإذا كان العراق يواجه مخاطر متزايدة من الجفاف والفيضانات والعواصف الترابية وموجات الحرارة، فكيف تتم إدارة هذه المخاطر من دون إطار وطني متكامل للإنذار والاستجابة؟

والأكثر إثارة للتساؤل أن الديوان يشير إلى أن الوزارة لا تمتلك شبكة ومحطات رصد مناخي بالقدر المطلوب لتشكل البنية الأساسية لنظام وطني للرصد والإنذار المبكر، وأن محطات مراقبة الهواء الموجودة لا تغطي جميع المحافظات، فضلًا عن وجود نقص في البيانات المتعلقة بالأحداث المناخية المتطرفة.

فأين هي خريطة الرصد المناخي الوطنية؟ وكم عدد المحطات العاملة فعليًا؟ وما حجم التغطية الجغرافية؟ وما خطط الوزارة لسد هذا النقص؟

أين بيانات خسائر العراق المناخية؟

من النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضًا، إشارة مسودة التقرير إلى عدم إعداد أطلس للوفيات والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأحداث المناخية المتطرفة في العراق، وعدم وجود قاعدة بيانات وطنية معتمدة للوفيات والخسائر المرتبطة بالجفاف والعواصف الترابية والفيضانات والعواصف المطرية الشديدة وغيرها.

وهذا يطرح سؤالًا أساسيًا:

كيف يمكن للدولة أن تضع سياسات تكيف فعالة، أو تحدد أولويات الإنفاق والاستثمار، إذا كانت لا تمتلك قاعدة بيانات دقيقة توثق حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والمكانية الناتجة عن الكوارث المناخية؟

وتشير المسودة كذلك إلى عدم توفر بيانات كافية عن الأمطار ودرجات الحرارة والرياح والغبار ومناسيب المياه والرطوبة وغيرها لاستخدامها في التنبؤ بالأحداث المناخية المتطرفة.

وماذا عن النمذجة المناخية والتنبؤ بالمستقبل؟

يشير ديوان الرقابة المالية أيضًا إلى عدم توفير الدعم المالي والتقني الكافي لتجهيز تقنيات الحوسبة والاستشعار عن بعد والتحليل العلمي لتقلبات المناخ وفق السيناريوهات المعتمدة من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، مع الإشارة إلى افتقار الوزارة إلى حواسيب عالية الأداء، وأنظمة متخصصة، وأجهزة استشعار عن بعد، وكوادر متخصصة في النمذجة المناخية وتحليل البيانات.

كما تشير المسودة إلى عدم وجود برامج تدريبية أو دورات متخصصة كافية في النمذجة المناخية وتحليل البيانات والتنبؤ المستقبلي.

وهنا سؤال آخر:

كيف يستعد العراق لمناخ المستقبل إذا كانت أدوات النمذجة والتنبؤ والبيانات التي تساعد على فهم هذا المستقبل لا تزال غير مكتملة؟

ماذا عن الأهوار والأراضي الرطبة والتصحر؟

بالنسبة للعراق، لا يمكن فصل التكيف مع تغير المناخ عن حماية النظم البيئية.

لكن المسودة تشير إلى عدم وجود استراتيجيات أو خطط وطنية معتمدة لتعزيز صمود النظم البيئية أمام آثار تغير المناخ، كما تشير إلى عدم تنفيذ عدد من المشاريع المتعلقة باستعادة النظم البيئية المتدهورة، وتأهيلها، وحماية الأراضي الرطبة والأهوار من الجفاف والتدهور، وحماية ضفاف الأنهار والمناطق المعرضة للسيول والفيضانات، ومكافحة التصحر وتحسين الغطاء النباتي في المناطق المتأثرة بالجفاف.

وهذا يقودنا إلى سؤال بالغ الأهمية:

ما هي الخطة الوطنية لحماية الأهوار والأراضي الرطبة والأنهار والنظم البيئية العراقية من آثار تغير المناخ؟ وما الذي نُفذ منها فعليًا على الأرض؟

كما تشير المسودة إلى عدم استخدام الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-Based Solutions) للحد من مخاطر الكوارث المناخية، رغم ما يمكن أن توفره من فوائد في الحد من الفيضانات والعواصف وموجات الحر، ودعم التنوع الأحيائي، وتحسين الاقتصاد المحلي، وتقليل الانبعاثات، وبكلفة أقل على المدى الطويل مقارنة ببعض الحلول الخرسانية التقليدية.

فلماذا لا تكون الطبيعة نفسها جزءًا أساسيًا من حلول العراق للتكيف مع تغير المناخ؟

أين منظومة المتابعة والتقييم؟

من أكثر النقاط التي تستحق إجابة واضحة من وزارة البيئة، ما يتعلق بغياب إطار وطني للرصد والتقييم (M&E).

فالمسودة تشير إلى عدم وجود وحدة أو قسم متخصص لمتابعة منظومة الرصد والتقييم، وعدم وضع مؤشرات وطنية خاصة بها، وعدم إصدار أوامر أو قرارات تنظم مهامها، وعدم وجود إجراءات أو مناهج معتمدة لقياس النتائج قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد.

كما تشير إلى عدم وجود معايير خاصة لقياس نجاح إجراءات التكيف، وعدم إعداد تقارير دورية عن تقدم إجراءات التكيف، وعدم إجراء دراسات لتقييم أثر مشاريع التكيف على تقليل المخاطر المناخية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وهنا السؤال البسيط:

كيف نعرف أن سياسات ومشاريع التكيف مع تغير المناخ في العراق تنجح، إذا لم تكن هناك مؤشرات واضحة ومنظومة مستقلة وفعالة لقياس هذا النجاح؟

من يحصي الخسائر والأضرار؟

تتوقف المسودة كذلك عند ملف الخسائر والأضرار (Loss & Damage)، وتشير إلى عدم وجود سياسة وطنية أو إطار معتمد أو منهجية لتقييم الخسائر والأضرار الناتجة عن تغير المناخ.

كما تشير إلى عدم وجود تقييم دوري للخسائر والأضرار الاقتصادية وغير الاقتصادية، وعدم وجود قاعدة بيانات أو سجل وطني موحد لها، فضلًا عن عدم تقدير الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بدقة في قطاعات أساسية مثل الزراعة والطاقة والصحة والبنية التحتية والإسكان والخدمات.

وفي الوقت نفسه، تذكر المسودة أن العواقب الاقتصادية الإجمالية لتغير المناخ في العراق قُدرت بحوالي 5 مليارات دولار سنويًا وفق فريق العمل الوطني لوثيقة المساهمات الوطنية المحدثة (NDC).

فإذا كانت خسائر العراق المناخية تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا، فأين قاعدة البيانات الوطنية التي توثق هذه الخسائر؟ ومن المسؤول عن قياسها؟ وكيف تُستخدم هذه الأرقام في رسم السياسات وتحديد أولويات الإنفاق؟

ولا تقتصر القضية على الخسائر المالية، فالمسودة تشير أيضًا إلى غياب منهجية معتمدة لتقييم الخسائر غير الاقتصادية، مثل فقدان الأرواح، وتدهور الصحة، والنزوح والهجرة المرتبطة بالمناخ، وتضرر التراث، وفقدان التنوع الأحيائي، وتضرر سبل العيش.

وهذه ليست أرقامًا مجردة؛ إنها حياة مجتمعات كاملة ومستقبل أجيال.

نطلب إجابات واضحة

في جمعية حماة نهر دجلة، نرى أن هذه الملاحظات لا ينبغي أن تبقى حبيسة الملفات الإدارية، خصوصًا أن تغير المناخ لم يعد خطرًا مستقبليًا على العراق، بل واقعًا ينعكس اليوم على المياه والزراعة والصحة والأمن الغذائي والتنوع الأحيائي والأهوار والمدن والمجتمعات المحلية.

لذلك نوجه إلى وزارة البيئة الأسئلة التالية:

1. ما رد الوزارة الرسمي على الملاحظات الواردة في مسودة تقرير ديوان الرقابة المالية؟

2. أي من هذه الملاحظات تم تصحيحه أو معالجته منذ الفترة التي يغطيها التقرير؟ وما الأدلة والبيانات التي تثبت ذلك؟

3. ما الجدول الزمني لإنشاء نظام وطني متكامل للرصد والإنذار المبكر؟

4. أين تقف الوزارة من إعداد قاعدة بيانات وطنية للخسائر البشرية والاقتصادية والمناخية؟

5. ما خطتها لتوفير بيانات مناخية دقيقة ومفتوحة وقابلة للاستخدام من قبل المؤسسات الحكومية والباحثين والمجتمع المدني؟

6. ما الذي تم إنجازه فعليًا لحماية الأهوار والأراضي الرطبة والأنهار والنظم البيئية العراقية من آثار تغير المناخ؟

7. لماذا لم تُستخدم الحلول القائمة على الطبيعة بصورة أوسع في خطط التكيف والحد من مخاطر الكوارث؟

8. أين منظومة الرصد والتقييم ، وما هي المؤشرات التي تعتمدها الوزارة لقياس نجاح سياسات التكيف؟

9. هل توجد لدى الوزارة اليوم منهجية وطنية معتمدة لتقييم الخسائر والأضرار؟

10. ما هي الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لمعالجة الملاحظات الواردة من ديوان الرقابة المالية؟

نحن لا نطرح هذه الأسئلة بهدف تسجيل موقف سياسي أو إداري، بل لأن حق العراقيين في معرفة حجم المخاطر التي يواجهها بلدهم، وما الذي تفعله مؤسسات الدولة لمواجهتها، هو جزء أساسي من الحق في بيئة سليمة وآمنة.

وندعو وزارة البيئة إلى نشر ردها الكامل والموثق على هذه الملاحظات، وإطلاع الرأي العام على ما تم إنجازه وما لم يُنجز، وما هي الخطوات المقبلة والجداول الزمنية المحددة.

كما ندعو المهتمين بالشأن البيئي والمناخي، والباحثين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني، إلى قراءة مسودة تقرير ديوان الرقابة المالية كاملة وعدم الاكتفاء بالعناوين أو المقتطفات.

الوثيقة الكاملة تضع أمامنا أسئلة كثيرة، والإجابة عنها مسؤولية المؤسسات المعنية أمام العراقيين.

لقراءة كتاب ومسودة تقرير ديوان الرقابة المالية كاملة ادناه

جمعية حماة نهر دجلة
٧١ آب ٦٢٠٢

مقالات أخرى