بيان مؤسسة أنقاذ دجلة (Save the Tigris Foundation)
لاهاي، 15 حزيران/يونيو 2026
يتزايد قلقنا إزاء الفيضانات الكارثية التي شهدها نهر الفرات في أواخر أيار وأوائل حزيران 2026، والتي دمّرت المجتمعات في شرق سوريا—حيث أدت إلى تدمير آلاف الدونمات من محاصيل القمح، ونزوح عائلات، وانهيار جسور، وتعطّل أكثر من ستين محطة لضخ المياه (وكالة فرانس برس، 2026).
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مستويات المياه في الفرات داخل العراق بشكل ملحوظ عقب إطلاقٍ مُتحكَّم به من سد أتاتورك في تركيا، وهو أول إطلاق من نوعه منذ سبع سنوات وثالث إطلاق فقط خلال 22 سنة (كوردستان24، يونيو 2026).
قال وزير الطاقة السوري محمد البشير:
“إن التحذير من تركيا بشأن ارتفاع منسوب المياه جاء متأخرًا، وإن عمليات إطلاق المياه هذه من تركيا باتجاه سوريا هي الأولى من نوعها منذ 30 عامًا.”
وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، أن حجم الأضرار المسجَّل في دير الزور يفوق حتى ما حدث في الرقة. كما أُبلغت السلطات العراقية بعملية الإطلاق بعد حدوثها، واضطرت إلى التحرك بشكل عاجل لتنسيق الاستجابة (كوردستان24، 2026).
وأعلنت السلطات المحلية في محافظة الأنبار أن:
“ثلاثة جسور (الحويجة، البيضاء، والدغيمة) خرجت عن الخدمة، وتوقف مشروع مياه ‘سعدة’ عقب موجة الفيضانات.”
اليوم، أصبحت الأوضاع تحت السيطرة. وقد تمكنت سوريا والعراق من إدارة موجات المياه رغم الأضرار وحالة الذعر. لكن ذلك ليس سببًا للاطمئنان، بل سببًا للقلق. نحن لا نصدر هذا البيان للإبلاغ عن أزمة مستمرة، بل نُصدره للمطالبة بأن تتحرك حكومات تركيا وسوريا والعراق قبل وصول الأزمة التالية.
هذه الأزمة ليست كارثة طبيعية. إنها النتيجة المباشرة لخلل واحد مستمر: غياب اتفاق ثلاثي شامل وملزم بين تركيا وسوريا والعراق لإدارة نظام نهري دجلة والفرات. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، تفاوضت الدول الثلاث واجتمعت ضمن لجان فنية ووقّعت ترتيبات ثنائية مؤقتة—لكنها لم تتخذ الخطوة الأخيرة نحو اتفاق ثلاثي دائم وقابل للتنفيذ.
البروتوكولات القائمة: أسس مهمة يجب احترامها واستكمالها
لقد أفرز تاريخ التفاوض حول مياه حوض الفرات–دجلة بروتوكولين ثنائيين مهمين، وهما نقطتا انطلاق ضروريتان يجب احترامهما وإنفاذهما والبناء عليهما:
بروتوكول 1987 بين تركيا وسوريا:
ترتيب مؤقت التزمت فيه تركيا بإطلاق متوسط سنوي يزيد عن 500 متر مكعب/ثانية عند الحدود. وينص البروتوكول على أن ذلك يستمر “حتى التوزيع النهائي لمياه الفرات بين الدول الثلاث المشاطئة”. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال هذا التوزيع النهائي غير مكتمل.
بروتوكول 1990 بين سوريا والعراق:
ينص على أن 58% من مياه الفرات القادمة من تركيا يجب أن تُطلق إلى العراق عبر سوريا، وهو اتفاق تخصيص واضح وعملي بين دولتين من دول المصب.
على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، كانت هذه البروتوكولات إجراءات مؤقتة، ولم تُصمم لتكون حلولًا نهائية. كما أنها لا تتضمن آليات إشعار فوري بإطلاقات السدود، أو تسوية نزاعات ملزمة، أو تكيّفًا مع تغير المناخ، أو حماية للتراث الثقافي والطبيعي للنهر. إن فيضانات 2026 لم تكشف فشل هذه البروتوكولات بحد ذاتها، بل كشفت عواقب تركها غير مكتملة طوال ثلاثة عقود.
ثلاثة إخفاقات أساسية تم كشفها
الإخفاق الأول: انتظار الأزمات بدل منعها
كان من الممكن تفادي فيضانات 2026. فبروتوكول 1987، بوصفه ترتيبًا مؤقتًا، لم يُصمم ليشمل آليات ملزمة للإشعار الفوري أو تسوية النزاعات. كما أن بروتوكول 1990 لا يمكن أن يعمل بشكل صحيح في ظل إطلاقات غير منسقة أو غير مُعلنة من السدود. أما “اتفاق العشر سنوات” بين العراق وتركيا—إطار التعاون في مجال المياه الموقع في نيسان 2024 ودخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني 2025—فلا يزال عامًا للغاية. فهو يهدف إلى الاستخدام العادل والإدارة المشتركة، لكنه لم يُفضِ إلى تنسيق ثلاثي ملموس.
الإخفاق الثاني: إدارة موسمية بدل سياسة طويلة الأمد
إدارة المياه في حوض الفرات تفاعلية. فعند الجفاف، تقلل الدول العليا التدفق. وعند امتلاء الخزانات بالأمطار، تُطلق المياه نحو المصب دون إنذار كافٍ. فتضطر دول المصب إلى التعامل مع الأزمة ثم العودة إلى الصمت. هذا النهج الموسمي القائم على الأزمات لا يحمي الصحة البيئية للنهر، ولا يوفر مياهًا مستقرة للمزارعين، ولا يسمح للمدن بالتخطيط لمواردها.
الإخفاق الثالث: استبعاد المجتمعات المحلية والمجتمع المدني وحماية النهر
المجتمعات المحلية على طول الفرات—من الرقة ودير الزور إلى الأنبار—هي أول من يتضرر عند حدوث الفيضانات وآخر من يتم التشاور معه. ويتم استبعاد السلطات المحلية والمزارعين والمجتمع المدني بشكل منهجي من قرارات المياه العابرة للحدود.
علاوة على ذلك، لا تتضمن البروتوكولات الحالية أي شيء يتعلق بحماية التراث الثقافي والطبيعي للنهر. فالفرات ليس مجرد مصدر مياه، بل هو مهد حضارة، وموطن لمواقع أثرية وأنظمة بيئية فريدة وتنوع أحيائي استمر لآلاف السنين. وأي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن التزامات ملزمة لحماية هذا الإرث.
منتدى مياه بلاد الرافدين: مطلب شعبي للتعاون المتعدد الأطراف
في تشرين الأول 2025، نظّمت مؤسسة “أنقذوا دجلة” منتدى مياه بلاد الرافدين في ديار بكر. حيث اجتمع أكثر من 260 مشاركًا من تركيا والعراق وسوريا وإيران — من ممثلي المجتمع المدني وخبراء المياه والمزارعين والمسؤولين المحليين والنشطاء. وقد طالبوا بأن يكون لهم مقعد على طاولة القرار، وأكدوا أن الإدارة الأحادية، والاتفاقات المجزأة، واستبعاد الأصوات المحلية لم تعد مقبولة. وشددوا على أن التعاون المتعدد الأطراف ليس طموحًا بعيدًا، بل ضرورة ملحة.
مطالبنا: إجراءات عاجلة وفورية
ندعو نحن، مؤسسة أنقذوا دجلة، حكومات تركيا وسوريا والعراق إلى:
- احترام وإنفاذ بروتوكولي 1987 و1990 بوصفهما أساسًا مهمًا لا يجوز لأي إجراء أحادي تقويضه.
- تنفيذ وعد بروتوكول 1987 بتحويل هذا الترتيب المؤقت إلى معاهدة ثلاثية دائمة وملزمة.
- البناء على بروتوكول 1990 بين سوريا والعراق من خلال إدماج توزيع 58/42 ضمن إطار ثلاثي أوسع يشمل تركيا.
- إنشاء تنسيق ثلاثي دائم يتضمن تبادل بيانات فوري، ومراقبة مشتركة، وإشعار مسبق إلزامي بكل إطلاقات السدود.
- اعتماد سياسة طويلة الأمد ملزمة تتجاوز إدارة الأزمات الموسمية، مع تخصيصات معدلة مناخيًا وضمانات للتدفق البيئي.
- إشراك السلطات المحلية والمجتمع المدني رسميًا في قرارات إدارة النهر، بما يشمل التشاور الإلزامي والإفصاح العلني عن عمليات السدود المخططة.
- تضمين بنود ملزمة لحماية التراث الثقافي والطبيعي للمواقع الأثرية والأنظمة البيئية والتنوع الأحيائي على طول الفرات.
- إحياء اللجنة الفنية المشتركة (JTC) بولاية جديدة تشمل تبادل البيانات الفوري، والإشعار المسبق، والمراقبة المشتركة، وتسوية النزاعات.
- تجاوز حالة الجمود القديمة للجنة عبر قبول تسوية براغماتية: إطار ثلاثي فوري للفرات بالتوازي مع دراسات مشتركة لنظام دجلة–الفرات ككل.
- الاعتراف بمنتدى مياه بلاد الرافدين كتعبير مشروع عن الإرادة الشعبية والاستجابة لمطلبه الأساسي بالتعاون المتعدد الأطراف.
- تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للمجتمعات المتضررة في سوريا والعراق، بما يشمل المزارعين الذين فقدوا محاصيلهم، والعائلات النازحة، وسلطات المياه المحلية التي تعمل على إصلاح البنية التحتية المتضررة.
نعلن استعدادنا للقدوم إلى أنقرة ودمشق وبغداد مع خبراء ومتخصصين—بمن فيهم ممثلون عن منتدى مياه بلاد الرافدين—لمزيد من النقاش. هذا البيان هو مطلب للمساءلة، لكنه أيضًا عرض شراكة: شراكة تنضج فيها الترتيبات المؤقتة لعامي 1987 و1990 إلى معاهدة ثلاثية دائمة، وتُحمى فيها إرث النهر، ويُعامل فيه سكان الفرات كشركاء لا كضحايا.
للمزيد من المعلومات، يرجى التواصل مع المنسق الدولي:
[email protected]
الموقع الإلكتروني: https://savethetigris.org
فيسبوك: https://www.facebook.com/save.the.tigris.stc




