دجلة توك، مؤتمر حماة دجلة لمعرفة ماذا تقول البيئة والمياه في العراق

دجلة توك، مؤتمر حماة دجلة لمعرفة ماذا تقول البيئة والمياه في العراق

English

 يعد الحوار السبيل الأفضل للتواصل والتفاهم وتبادل الافكار من اجل تذليل العقبات بين الأطراف والخروج بنتائج وحلول واقعية من شأنها أن تحسن من الوضع الساري، و نظرًا إلى أن العمل الحكومي غير جاد بالشأن البيئي، وأن الحلول الأكاديمية الناتجة عن الدراسات والتجارب والأبحاث كفيلة بتوفير السبل اللازمة لمجابهة التغيرات البيئية العاصفة إذا ما سُلط الضوء عليها، وكون النشطاء البيئيين يمكن أن يكونوا حلقة وصل لتقريب وجهات النظر الحكومية والأكاديمية، إضافة إلى تعريف الجماهير بخطورة الوضع البيئي، والدفع باتجاه التحرك الحكومي نحو الطاقة النظيفة و تقليل خطر التغير المناخي.

لذلك ولأول مرة منذ انطلاق مشاركتها عام 2016، نظمت جمعية حماة دجلة ضمن فعاليات الموسم السادس للمنتدى الاجتماعي العراقي، في يوم 29 من شهر تشرين الثاني الماضي في أكاديمية بغداد للعلوم الانسانية في بغداد، مؤتمر دجلة توك،  ضم العديد من الندوات والجلسات الحوارية عن أهم المشاكل والعقبات التي يواجهها الواقع البيئي في العراق، اضافة إلى ورش أقيمت ضمن عمل مسار البيئة والمياه في اليوم التالي للمؤتمر.

امكانية تطبيق قانون حماية وتحسين البيئة 

بدأت جلسات المؤتمر بالحديث عن ورقة سياسات ” تقييم فرص تشريعات حماية البيئة العراقية،” حيث استعرض علي الكرخي، رئيس جمعية حماة نهر دجلة، القانون الخاص بحماية وتحسين البيئة رقم (97) لسنة 1987 ، ورقم (3) لسنة 1997 و رقم (27 ) لسنة 2009 النافذ، تحدث علي عن تفاصيل هذا القانون والضمانات التي يقدمها لحماية البيئة والنتائج المتوقع حصولها في حال تم تفعيله، ومن الجدير بالذكر أن هنالك تباين وتمايز بين نصوص هذه القوانين، كما ذكر “إن مجلس حماية وتحسين البيئة هو المسؤول عن قانون حماية وتحسين البيئة و حتى عام 1986 كان للمجلس صلاحيات لرسم سياسات معينة واقتراحها لمجلس الوزراء، اما الان فان وظيفة المجلس تقتصر على إبداء الرأي فقط فيما يخص القانون،” وحول إمكانية تطبيق قانون حماية وتحسين البيئة، صرح الكرخي “ان تشريع هذا القانون لا يعني أنه سيتم العمل به!”

وبالحديث عن قصة نجاح حماة دجلة في محافظة ذي قار في تفعيل قانون حماية وتحسين البيئة، فقد تحدث نصير باقر، مدير مكتب  حماة دجلة في ذي قار، عن حملة تفعيل المواد (7) و(14) و (18) من قانون حماية وتحسين البيئة، التي أتت ثمارها من خلال بناء شبكة من المتطوعين والتحشيد المستمر واستقطاب أصحاب الشأن و الشباب الناشطين المحليين واستهداف الجانب الحكومي المحلي لمدينة الناصرية، وأضاف باقر قائلا ” على الرغم من العقبات التي واجهتنا إلا أن تفاعل الجهات الحكومية والمحلية والنتائج التي تم تحقيقها كانت تستحق، كما من الضروري نقل هذه التجربة إلى جميع المدن بعد رؤية نتائجها.” 

من الجدير بالذكر أن من أهم النتائج المترتبة من تفعيل هذا القانون، تشكيل المجالس التي تفرضها المواد (7) و (14) و (18) على وزير البيئة وهذا سيضمن حماية بيئة الأهوار (الاهوار الوسطى تحديدًا) وتنوعها البيولوجي. 

أسباب تلوث مياه شط العرب 

وعن تلوث المياه، نوقشت المسببات التي أدت إلى ظهور الملوحة والتلوث في مياه شط العرب في البصرة، حيث أشار الخبير البيئي، علاء بدران،  إلى أهم هذه الأسباب المتمثلة بأزمة شحة المياه وما صاحبتها من التغيرات المناخية التي بدأت منذ سنتين، إضافة إلى وجود الملوثات الهوائية بسبب أكثر من 700 شعلة شمال وغرب البصرة جميعها تؤدي إلى تكوين غيوم سوداء وبالتالي يكون سقوط الأمطار مصحوبًا بكميات هائلة من السموم التي ينتج عنها اكتظاظ المستشفيات في البصرة بسبب حالات اختناق السكان، كما أعزى بدران سبب تلوث المياه في البصرة إلى عدم كفاءة شبكة الصرف الصحي التي تصب في ستة أنهار داخل حدود البصرة، بالإضافة إلى تجمع مياه شبكات صرف باقي المحافظات التي تصب جميعها في المنطقة وتسبب تلوث هائل كما تساهم بتكوين الطحالب الحمراء السامة مما يجعل هذه المياه غير صالحة للاستخدام، وأضاف ” ان البصرة لا تحصل على قدر كافي من المياه والأمطار، حيث تشير بعض التقارير أن في عام 2026 ستكون  مدينة البصرة غير صالحة للعيش! “

وبالحديث عن السياسات المائية المتبعة من قبل دول المنبع، قال بدران ” تبعا للاحصائيات العالمية للعدالة المائية، يجب توفير ما يعادل 1000 متر مكعب من المياه لكل شخص وبالتالي فأن أي زيادة سكانية في دول المنبع تعني انقطاع جزء من حصة مياه العراق !”، كما واستعرض خريطة توضح السدود التركية والايرانية وتأثيرها على واردات المياه لنهري دجلة والفرات، قائلا ” ان من  الضرورة إنشاء سدود في العراق لاستخدامها في حصاد مياه الأمطار والا فان العراق بوضعه الحالي غير مستعد لمواجهة ظروف الجفاف وشحة المياه مستقبلا .”   

أما عن دور نشطاء البيئة في هذه القضية، اشاد امير قصي، ناشط بيئي، بضرورة استقطاب اهتمام الناس بالشأن البيئي من خلال تكثيف الانشطة البيئية التوعوية و الحث على التشجير وزيادة المساحة الخضراء، كما أشار إلى ضرورة العمل بالشراكة مع الجهات الحكومية لغرض حماية البيئة والأنهار والعمل على زيادة حصة  العراق المائية.

سد مكحول ، آثاره ومميزاته 

الحديث عن السدود كان حاضرا و تضمن نقاشات محفوفة بالجدال وتباين  بالآراء حول سد مكحول، “سد مكحول يعد احد السدود ذات الاولوية القصوى في البلاد نظرا لأهميته في خزن وتوزيع المياه وتوليد الطاقة ودوره في الاستصلاح الزراعي” قال حاتم الطيب، المهندس الأقدم بإدارة مشروع سد مكحول، بهذا الصدد، حيث تمت مناقشة مميزاته وآثاره على المجتمعات الصغيرة القريبة من بحيرة السد وعلى واقع البيئة في المنطقة، وأضاف الطيب “ان سد مكحول لم يكن وليد اللحظة إلا أن تنفيذه جاء بعد حصول ازمة شحة المياه حيث اقتضت الحاجة إلى انشائه ” وعلى الرغم من أن إنشاء سد مكحول سيؤدي للعديد من الخسائر المادية والزراعية، إذ سيغمر 40 قرية يسكنها حوالي 100 ألف نسمة  و ما يقارب 50 كم من الأراضي الزراعي الخصبة إلا أن الطيب كان له رأي آخر حيث قال “ان كل بلد يحتاج لهكذا سدود حتى لو تمت معارضتها اجتماعيا فان الأولوية لمصلحة البلاد، كما هو الحال في سد اليسو الذي شيدته تركيا بعد أن قدمت التعويضات المجزية للسكان . “

وعلى صعيد متصل، يرى د. خليل الجبوري، رئيس قسم الآثار في جامعة تكريت، أن لا ضير من إنشاء سد مكحول على أن يتم توفير بدائل، حيث اوضح “أن سد مكحول يحتوي على  أكثر من 200 موقع اثري، وان التنقيبات التي أجرتها هيئة الآثار في المنطقة ليست كافية، كونها بدأت في عام 2000 وحتى 2003، لحقتها تنقيبات قامت بها الجامعة الامريكية في السليمانية اكتشفوا خلالها وجود 100 موقع أثري غير منقب في تل الفرس، أحد المناطق التي سيغمرها مخزون السد، لذا من غير المعقول ان تغمر مدينة اثرية تعود إلى أكثر من 400 سنة قبل الميلاد  بهذه الطريقة! “ 

التغير المناخي و اتفاقية باريس ما بعد التصديق

على صعيد التغيرات المناخية التي أثرت بشكل كبير على الوطن العربي والعراق بشكل خاص، نظرا لكثرة التصحر فيه وعدم الاستخدام الصحيح للمياه، أوضح مصطفى محمد الخفاجي، مدير قسم المركز الوطني للتغيرات المناخية، أن اتفاقية باريس و آثار التغير المناخي على العراق جعلته خامس أكثر البلدان هشاشة في العالم من حيث الاقتصاد، قائلا “أن البند الثاني من الاتفاقية يقوم على خفض نسبة الانبعاثات الغازية وفي حال تطبيق هذا البند سيتم ايقاف تصدير النفط، و هنا تكمن مشكلة العراق في مورده الأساسي فعلى الرغم من أن العراق لا يحرق النفط وإنما يقوم باستخراجه و بيعه، الا ان قطاع النفط سيكون في خطر بسبب الدول التي ستفرض بحقها عقوبات  نتيجة لتطبيق هذا البند، وعليه إذا لم يوفر العراق البدائل التي من الممكن أن تنعش الاقتصاد سيكون مستقبله مهددا . ”  

وفي نفس السياق ، أضاف د. ابراهيم السوداني، خبير بيئي ومتخصص في علوم البيئة والطاقة المتجددة، أثناء حديثه عن الصناعة الخضراء و الحلول المستدامة “إذا ما قام العراق باستثمار الدعم الدولي سيعود ذلك بوارد اقتصادي مهم في الطاقة المتجددة واستثمار النفط وقطاع الصناعة.” ، كما أشار إلى أن التغيرات المناخية في العراق متطرفة جدا، و بدأت ملاحظتها منذ عام 2015 حيث تمثلت بانخفاض كمية المياه والأمطار إلى أكثر من ثلثي الكمية ،ويعد التجاوز على المياه الجوفية خير دليل على هذا التدهور، ومن الواضح أن تأثير التغير المناخي قد طال حتى التنوع الاحيائي في العراق حيث أن 5%من طيور العراق مهددة بالانقراض، وأضاف السوداني “إن التحديات المناخية والبيئية مرعبة وليست طبيعية، وما يزيد الأمر سوءا عدم كفاءة الإدارة المائية التي تضع مستقبل العراق المائي تحت رحمة الإدارة المائية لتركيا وسوريا وإيران. ”  

أما ما يخص العلاقة بين التغير المناخي والاساسات الزراعية أشار د. احمد عبد الهادي ( اكاديمي )  إلى أن الزراعة ترتبط بالكثير من الأمور التي من شأنها الحد من الاحتباس الحراري عن طريق زيادة مساحة الغطاء النباتي، الاتجاه نحو الطاقات المتجددة والاستخدام الأمثل للمياه ، كما اشاد بضرورة إعطاء قضية المناخ اهمية قصوى من قبل السلطات الحاكمة والجهات المختصة.

وفي إجابة تساؤل ما اذا كان العراق على الطريق الصحيح في ملف التغير المناخي، أجاب الخفاجي ” نحن على  الطريق الصحيح، ولكن يجب ان يكون الملف حيادي غير تابع ولا يخضع لأحد، كما يجب أن يكون القرار مركزي من ناحية الإدارة والتنفيذ .”، واضاف ” يجب بناء مفاوض جيد للتفاوض بما يخص ملف التغير المناخي، كما من الضروري تحسين إطار الشفافية والعمل بمبدأ الوضوح في الإعلان عن صادرات النفط والآثار الناتجة عنها والعمل على تقليلها من خلال استخدام طرق صديقة للبيئة في عملية استخراج النفط .”، أما د. إبراهيم فقال بهذا الصدد ” نحن على الطريق ولكننا نسير ببطء .”

تصوير الحياة البرية بين المعرفة والمغامرة

وفي الحديث عن تصوير الحياة البرية و ما هي المصاعب والعقبات التي تواجه مصوري الحياة البرية العراقيين، تحدث أبو الحسن المسافري، ناشط بيئي ومسؤول منظمة جلجاموس، عن أن تصوير الحياة البرية يعد واحدا من اهم واصعب أساليب التصوير الفوتوغرافي، كونه لا يحتاج فقط إلى معدات خاصة كالعدسات الدقيقة والكاميرات السريعة جدا لغرض توثيق أكثر من لقطة في ذات الوقت، بل يحتاج أيضا إلى الكثير من الخبرات العلمية والعملية والمهارات التخصصية في التصوير البري، كما يحتاج المصور إلى اكتساب معلومات كثيرة عن الكائنات البرية ويحتاج إلى التحلي  بالطاقة والجهد والإصرار لغرض الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، وهذا على عكس أساليب التصوير الفوتوغرافي الأخرى التي يمكن للمصورين الهواة مزاولتها.

كما تحدث ليث العبيدي، عضو في حماة دجلة، عن الغرض من تصوير الحياة البرية والذي يتمثل بنقل صورة لاكتشاف معين أو لتوثيق دراسة مستقبلية، وأضاف ” أن هناك علاقة بين قوانين حماية البيئة وتصوير الحياة البرية،حيث ان اللقطة (الصورة ) هي التي تلعب دورها في رصد وتوثيق الكائنات وبالتالي إيصال فكرة عن أهمية حمايتها، وان خير مثال على أهمية تصوير الحياة البرية هو دخول الاهوار ضمن لائحة التراث العالمي حيث ان السبب في دخولها اعتمد على التنوع الاحيائي في هذه المنطقة ولا يخفى على أحد أن  التصوير لعب دورا مهما في نقل صورة واضحة عن هذا التنوع”.

وفي الحديث عن أهم المعوقات التي تواجه مصوري الحياة البرية، أضاف العبيدي “أن أهم عقبة تواجه المصورين هي حماية الكاميرا، والتعامل مع الحيوانات التي يمكن أن يشكل الاقتراب منها خطرا، كون ردود أفعالها غير معروفة،” كما أشار إلى ضعف الاهتمام الحكومي والإعلامي بهذا الجانب وعدم وجود دعم لمصوري الحياة البرية يشجعهم على الاستمرار، وفي ختام الجلسة تم عرض صور لحيوانات نادرة موثقة من قبل ليث العبيدي، مشيرا إلى الصعوبة التي واجهها في تصوير هذه الحيوانات.

الصيد غير المستدام للطيور، الاهوار الوسطى نموذجا

حول حماية الأنواع الفريدة و النادرة والمهددة بالانقراض في منطقة المتنزه الوطني للأهوار الوسطى، وضمان عدم ضياع هذه الموارد الطبيعية واستمراريتها للأجيال القادمة، تم تقديم تعريف بدراسة واسعة أعدها ليث العبيدي خاصة “بالصيد الجائر للطيور في الاهوار الوسطى” ، كان أهم مخرجاتها تحسين التعليم وزيادة الوعي في مجتمعات الاهوار و الصيادين و جمعيات الصيد من خلال رفع وعي صناع القرار في إدارة المتنزه الوطني و اقامة مبادرات الحماية لمنع صيد الطيور باستخدام السموم والشباك و الأساليب غير القانونية والتوعية بمخاطرها بالإضافة إلى حظر الاتجار بها، والعمل على تطبيق أفضل للضوابط السارية والبحث المستمر وتحسين الفرص الاجتماعية لهذه المجتمعات. 

أما اليوم الثاني فقد تضمن جلستان تمت إقامتهما ضمن مسار البيئة والمياه،  الأولى بعنوان التلوث البيئي للتربة بالعناصر الكيميائية الثقيلة حيث تحدث  د. علاء حسن، اكاديمي وكيميائي مختص بالتربة، عن تأثير تلوث التربة على صحة الإنسان وناقش كيفية  معالجتها باستخدام بدائل مستدامة وصحية،  أما الجلسة الثانية التي أقامتها منظمة (رياضة ضد العنف) فقد تحدثت عن علاقة الرياضة بتعزيز الوعي البيئي، حيث تضمنت توضيحا عن ماهية الوعي البيئي وكيف تؤثر البيئة والتغيرات المناخية على أداء الرياضيين و كيفية استثمار الرياضة في نشر الثقافة البيئية. 

شهد المؤتمر مشاركة أكثر من 225 شخص على مدار اليومين، بضمنهم نشطاء البيئة من حماة دجلة وحماة الفرات وأكاديميين و مختصين ومهتمين بالشأن البيئي وملف المياه من مختلف المحافظات، وقرابة 44 ممثل عن الجهات الحكومية من عدة وزارات، بالإضافة إلى حضور عدد من الصحفيين والقنوات الإعلامية.

من الجدير بالذكر أن مؤتمر دجلة توك الذي تم تنظيمه من قبل جمعية حماة نهر دجلة كان ضمن فعاليات الموسم السادس للمنتدى الاجتماعي العراقي بالتعاون مع أكاديمية بغداد للعلوم الانسانية. 

مقالات أخرى

أضف ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.